(ملتقى فكري ، طب بديل ، ديني، ثقافي ، علمي، ترفيهي )
 
الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 زمن التفاصيل ...........محمد محضار

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمد محضار



الجنس : ذكر
عدد الرسائل : 157
العمر : 55
المزاج : رائق
نقاط : 411
تاريخ التسجيل : 21/09/2009

مُساهمةموضوع: زمن التفاصيل ...........محمد محضار   الخميس أغسطس 18, 2016 11:16 pm


قصة قصيرة: زمن التفاصيل



عندما استيقظ هذا الصباح اكتشف أن اشياء كثيرة ظلت غائبة عنه سنوات طويلة ،دون أن تحظى بانتباهه أو تنال نصيبا من اهتمامه،فالتفاصيل لم تكن تعني له شيئا ،فقد اعتاد على رؤيا شمولية للأشياء وظل وفيّا لمبدأ الكل لا الجزء..فجمال الزهرة يكمن فيها لا في لسيناتها وباقي مكوناتها ، وجمال المرأة يدرك بظرة بانورامية شاملة ، كذاك الحب فهو يقذف في الفؤاد نورا متوهجا ليزرع فيه الدفء والفرح ويغدي الروح بنسماته .

لكنهه الآن يجد نفسه يكتشف عالما جديدا ، تتسيد فيه التفاصيل ، وتسيطر الأجزاء بدرجات متفاوتة وعمق متنوع ومختلف، عالم تبدأ الاشياء فيه صغيرة وغير ذات معنى لتصبح فيما بعد ذات قيمة كبيرة ، ليس مهما أن يدرك ذلك في وقت متأخر ، فالتجربة تكسب قيمتها من وَشم السنين ونضج الشخصية .

كانت البداية بزوجته التي عاشت برفقته ربع قرن دون أن يتفحص تفاصيل وجهها وجسدها ، وها هو يكتشف هذا الصباح وهي تجلس قبالته على مائدة الإفطار ، أن الصباغة لم تعد قادرة على اخفاء بياض شعرها ، كذاك المراهيم والدهون لم يعد لها مفعول في إخفاء خطوط التجاعيد المحفورة على جبينها ، بل أكثر من هذا يكتتشف ان تحت ذقنها خالة سوداء لم ينتبه إليها قط .كما أن جسمها لم يعد رشيقا ومسّتْه السّمنة والثخانة بشكل رهيب، وجمالها يكاد يصبح في خبر كان..

عندما نزل إلى الشارع صدمه مشهد العمارة التي عاش بها أكثر من من نصف عمره ، فجدرانها كساها السخام ، ومحيطها اكتسحته الأزبال والمياه العادمة المنتشرة بشكل مقرف ..تساءل "كيف مرت كل هذه السنين وهو يعيش خارج سياق التفاصيل ؟؟؟"كيف تأتى له أن يُجمِّد عقله وقلبه ، ويكبح جماح رغبتهما في تدقيق شامل لتفاصيل الأشياء؟؟...على كل حال الآوان لم يفت بعدُ، ومازال أمامه الوقت الكافي لتحقيق ذاته وتغيير نظرته للعالم.

ركب سيارته القديمة،وانساب بين شوارع المدينة، أحس بانتعاشة غريبة وهو يكتشف تفاصيل متعددة كان يمر بها بشكل يومي دون أن يهتم بها، أو ينتبه إليها ،هاهو يعيد ترتيب أوراقه ويدخل غمار حياة جديدة تدفع به إلى التّفاعل مع الواقع بشكل أكثر عقلانية وواقعية ، بعيدا عن كل المؤثرات الخارجية ، أو إسقاطات الذات.

عندما وصل بناية الإدارة التي يشتغل بها ، انتبه لأول مرة إلى الّلوحة الموجودة في مدخلها وقرأ مضمونها بتدقيق ثم دخل وعيناه تحملقان في كل ما حوله وكأنه يكتشفه لأوِّل مرة ..الممر الطويل،البساط الأحمر الممتدعلى طوله ، أبواب المكاتب البنية اللون ، اللوحات التشكلية المعلقة على الجدران ، ولمبات النيون البيضاء المشتعلة ..توقف أمام باب مكتبه ، وقرأ اللافتة المتبثة عليه : " محمد علوش رئيس الموارد البشرية "..هذا شيءجميل وبريستيج لم يهتم به من قبل..دفع الباب وولج داخلا، أحس بان المكان فخم ، وانه قلّما متّع ناظره بروعة الفضاء وسحره ، جلس فوق الكرسي الجلدي الموجود خلف مكتبه الضخم ، وضغط على زر الجرس كالمعتاد ، فدخلت الكاتبة ، تحمل البارفور الخاص بالتوقيعات ،" حملق بها وكأنها تقف أمامه أول مرّة ، قامة هيفاء وجسم يحتضنه فستان يبرز كل مفاتن الأنثى الجميلة" ،فتحه وعيناه تسترقان النظر إلى سيقانها وصدرها العامر..كم هي جميلة التفاصيل إن تعلّق الأمربغادة حسناء مثل هذه الكاتبة ..وقَّعَ الأوراق بارتباكٍ ثم أعادها إليها ، فاحتضنتها وهي ترسم على محياها ابتسامة مغرية، بعد أن احست بنهم نظراته ، تابع عجيزتها المكتنزة بعينين جاحظتين وهي تغادر المكان ، تاب إلى نفسه وأحس بان مرحلة التفاصيل قد اقتحمت حياته دون اِستئدانٍ ، ولن يتخلّى عنها مهما كانت الأسباب والمسبّبات.




محمد محضار : خريبكة في 22 نونبر 2012


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
زمن التفاصيل ...........محمد محضار
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
ملتقى الفكر والجمال  :: 

ملتقى الكتاب والأدباء :: منتدى الكاتب والأديب ( محمد محضار )

-
انتقل الى: